مملكة النقشبندى والحقيقة المحمدية العرفانية والعلوم الصوفية والحقائق الروحانية
أبومجيد النقشبندى يقدم مملكة النقشبندى والحقيقة المحمدية العرفانية والعلوم الصوفية والاحزاب والدعوات والاوراد الصوفية النقشبندية والقصائد والمدائح النبويه والالهية منتدى يعرض جميع التوجهات الاخلاقية ,والعلوم والمعارف الاسلامية الدينية والدنيوية والله الموفق فرمحبا بك أيها الزائر فقد حللت أهلا ونزلت سهلا ويسعدنا ويشرفنا التسجيل والإنضمام إلى إسرة المنتدى

مملكة النقشبندى والحقيقة المحمدية العرفانية والعلوم الصوفية والحقائق الروحانية


شاطر | 
 

 مذهب الإمام أبوالحسن الأشعرى رضى الله عنه

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أبومجيد النقشبندى
المدير العام

avatar

عدد المساهمات : 563
السٌّمعَة : 8
تاريخ التسجيل : 24/10/2010

مُساهمةموضوع: مذهب الإمام أبوالحسن الأشعرى رضى الله عنه   الأربعاء 9 مايو - 12:10

1. مذهب الإمام الأشعري ( د. البوطي )
الإمام
أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري
[260-324هـ]
بقلم الدكتور: محمد سعيد رمضان البوطي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي علّم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام الأتمان على رسوله محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد، فإن حديثي هنا عن الإمام أبي الحسن عليّ بن إسماعيل الأشعري (260-324هـ) سيتناول بتوفيق الله المسائل التالية:

أولاً: هل كان الإمام الأشعري مُنشئاً لفرقة إسلامية في العقائد جديدة؟

ثانياً: ما المنهج الذي ألزم الإمام الأشعري نفسه به وسار عليه، فيما انتهى إليه من مسائل العقيدة، وما كان يخوض فيه منها أرباب الفرق والكلام؟

ثالثاً: بعض التطبيقات على منهجه.

رابعاً: ما هي الآثار التي تركها الإمام الأشعري في توجهات علماء العقيدة الإسلامية من بعده؟ وما هو الدور الذي لعبه في أبراز ما يسمى بمذهب جمهور المسلمين، أو مذهب أهل السنة والجماعة؟

خامساً: هل في آراءه الكلامية (أو الاعتقادية) ما خالفه فيه بعض من جاء بعده من أئمة أهل السنة والجماعة؟
* * *
ولنبدأ بأولى هذه المسائل: هل كان الإمام الأشعري منشئاً لفرقة إسلامية في العقائد جديدة؟

والجواب عن هذا يتبين في حديث الأشعري نفسه والمراجع التي يعتمد عليها ثم لا يخرج عنها في مسائله التي يتبناها ويدافع عنها.

* إنه يعرض في كتابه (مقالات الإسلاميين) لآراء كثير من الفرق في كثير من المسائل: ثم يُفرد فصلاً عنوانه: (وهذه حكاية جملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة) ويعرض فيه عقائد أهل السنة والجماعة في تلك المسائل كلها مأخوذة من صريح القرآن وصحيح السنة، ثم يقول: (وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله، وهو حسبنا ونعم الوكيل وبه نستعين وعليه نتوكل وإليه المصير)([1]).

* وهو يعرض لمذاهب كثير من المجسِّمة، ثم ينقل عمن يسميهم أهل السنة وأصحاب الحديث تنزيههم الله تعالى عن الجسم والشبيه والنظير، ثم يقول: (ولم يقولوا شيئاً إلا ما وجدوه في الكتاب، أو جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبهذا نقول)([2]).

ويؤكد موقفه هذا في مكان آخر يروي فيه ما يقوله المجسمة عن العين واليد لله تعالى، ثم يقول: (لسنا نقول في ذلك إلا ما قاله الله عز وجل، أو جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنقول: وجه بلا كيف، ويدان وعينان بلا كيف)([3]).

* ويكرر مؤكداً مثل هذا في كتابه الإبانة. على أن جلّ ما ذكره فيه مثبت في كتابه: (مقالات الإسلاميين)([4]).

كما يتبين الجواب عن هذا السؤال أيضاً فيما اجتمعت عليه كلمة الأئمة والعلماء الذين جاؤوا من بعده، فقد أجمعوا على أنه لم يبتدع مذهباً ولم ينشئ فرقة جديدة أضيفت إلى الفرق التي وجدت ثم تكاثرت في عصر التابعين، وهو ذاته ما أجمع عليه علماء الحديث والتفسير وأئمة الفقه في عصره.

يقول ابن عساكر، ناقلاً عن الشيخ أبي القاسم القشيري ما نصه:
(اتفق أصحاب الحديث أن أبا الحسن عليّ بن إسماعيل الأشعري، كان إماماً من أئمة أصحاب الحديث، تكلم في أصول الديانات على طريقة أهل السنة، وردّ على المخالفين من أهل الزيغ والبدع)([5])
ويقول ابن السبكي في طبقات الشافعية: (اعلم أن أبا الحسن لم يبدع رأياً ولم ينشئ مذهباً وإنما هو مقرِر لمذهب السلف، مناضل عما كانت عليه صحابة رسول اللهصلى الله عليه وسلم.

فالانتساب إليه إنما هو بأنه عقد على طريقة السلف نطاقاً وتمسك به، وأقام الحجج والبراهين عليه، فصار المقتَدِي به في ذلك، السالك سبيله في الدلائل يسمى أشعرياً)([6])

ويقول ابن خلكان: (هو صاحب الأصول، والقائم بنصرة مذهب أهل السنة، وإليه تنسب الطائفة الأشعرية)([7])

ويقول ابن العماد في كتابه شذرات الذهب: (وقد بيّض الله به وجوه أهل السنة النبوية وسوّد به رايات أهل الاعتزال والجهمية، فأبان وجه الحق الأبلج، ولصدور أهل العلم والعرفان أثلج)([8])

وعلى الرغم من وضوح هذه الدلائل كلها، وعلى الرغم من تعريف الإمام الأشعري ذاته بنفسه، وتأكيده المتكرر بأنه إنما يقول في مسائل العقيدة كلها بما يقول به أصحاب رسول الله وأصحاب الحديث وأهل السنة، فإن في الناس من يصرّون، لأمر ما، على أنه هو الآخر كان صاحب فرقة، ومنشئ مذهب، ومبتدعاً لرؤى فكرية وفلسفية، ويبدو أن هؤلاء الناس متلبسون بما يتهمون به الإمام الأشعري، ولا ريب أنهم يتبعون في هذا الذي يذهبون إليه ويصرون عليه، جماعة المستشرقين الذين طاب لهم أن ينصرفوا إلى دراسة الفرق الإسلامية وتاريخها.

وإني لأذكر أن المستشرق الفرنسي (ماسينيون) زار كلية الشريعة من جامعة دمشق في أواخر الستينات من القرن الماضي. فكان دأبه إظهار الإعجاب بالفكر الإسلامي، والمنافحين عن الفلسفة الإسلامية، والعقائد الإسلامية عموماً كلما دعت المناسبة. فوقف أحدهم مرة يقول له: فلماذا لا تتبنى إذن هذه المعتقدات وتعلن عن دخولك في الإسلام؟.. فأجابه قائلاً: أي إسلام تدعوني إلى دخوله: أهو الإسلام المعتزلي أم المرجئي أم الجهمي أم الأشعري أم الماتريدي أم الخارجي أم الشيعي..

أقول: لقد كان المفروض أن يقال له: ادخل الإسلام الذي كان موجوداً قبل ظهور هذه الفرق كلها، إذن ستجد نفسك واحداً من أتباع الإمام الأشعري والماتريدي، وبعبارة أخرى: ستجد نفسك معهما ثالث ثلاثة سائرين على النهج الذي ترك رسول الله عليه أصحابه.

إنه وهم خطير وكبير تصنعه ثلة من المستشرقين، تنفيذاً لرسالتهم التي حُمِّلوا أعباءها، وكلفوا ببثها في أوساط المسلمين، وإدخالها في أذهان المغفلين منهم. ويتبعهم في نشر هذا الوهم أصحاب عصبيات مذهبية جديدة، قصارى همهم الانتصار لابتداعاتهم، ولو وجدوا أنفسهم يقفون بهذا في خندق عدواني واحد مع أولئك المستشرقين.

إن الإمام الأشعري لم يبتدع لنفسه مذهباً ولا رأياً في الدين، بل لفت نظره (وقد أمضى شطراً من عمره وهو يتبنى أفكار المعتزلة) ما يعتقده أهل السنة والحديث، ومعهم الفقهاء المشتغلون بدراسة أحكام الشريعة، في مسائل أصول الدين، موروثةً لهم من جيل التابعين، الذين ورثوها من عهد الصحابة رضوان الله عليهم. ونظر، فرأى جمهرة علماء المسلمين وسوادهم على ذلك النهج يسيرون وبتلك المعتقدات يتمسكون؛ غير أن ظهور تلك الفرق الأخرى بخصوماتها ومجادلاتها، وانتصار كل منها لأفكاره، صرف كثيراً من الأسماع والأفكار إلى ضجيج تلك الخصومات والمناقشات، حتى عادت عقيدة أصحاب رسول الله وجمهرة المسلمين من بعدهم مغمورة داخل تلك الصراعات، وأصبحت أشبه ما تكون بالجادة العريضة التي تكاثرت عليها الأتربة والحجارة والرمال، حتى ضاعت على الناس معالمها وتاهوا عن حدودها.

فكان عمل أبي الحسن الأشعري محصوراً في إزاحة ذلك الركام عن تلك الجادة العريضة، وإبرازها جلية أمام الأنظار، ومن ثم تنبيه الناس إلى ضرورة اتباع ما عليه جماعة المسلمين منذ عصر النبوة، مدعوماً بنصوص الكتاب والسنة. وذلك تنفيذاً لوصية رسول الله من بعده باتباع الجماعة والتحذير من الشرود عن جادتها العريضة، إلى السبل التائهة المتعرجة التي نهى عن الشرود إليها بيان الله عز وجل القائل: (وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[الأنعام: 153]

في الناس من يقول: فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا تنسب عقيدة الصحابة والسلف وجمهرة المسلمين إلى شخص الإمام الأشعري؟ ولماذا يُنسَبُون جميعهم إليه فيقال عنهم: الأشاعرة، وربما نُسِبوا إليه وإلى أبي منصور الماتريدي([9])، فقيل عنهم الأشاعرة والماتريدية.

والجواب أن الإمام الأشعري هو الذي قام - من دون بقية علماء السنة والفقه - بالدفاع عن عقائدهم والتدليل عليها وتزييف ما يخالفها من بدع الفرق الأخرى. فانتشر اسمه بذلك في الآفاق وتواردت عليه المسائل من أقطار العالم فأجاب عنها، وعمت جهوده العلمية التي سميت بمذهب أهل السنة والجماعة، بلادَ العراق وخراسان والشام وبلاد المغرب، وتجاوزتها إلى أقصى بلاد أفريقية. فمن أجل هذا ارتبطت عقائد السلف، أهل السنة والجماعة، باسم الإمام الأشعري.

بل إن كل العلماء الذين كانوا في شغل شاغل عن الالتفات إلى خصومات الفرق وأفكارهم المتضاربة، لانصرافهم إلى ما هم بصدده من خدمة السنة أو التفسير أو الفقه وأصوله، أحدقوا بهذا الذي جاء نصيراً للقرآن والسنة وعقيدة السلف، وشدّوا من أزره وانتسبوا إليه. ويذكر العز بن عبد السلام أن أتباع المذاهب الأربعة يدينون بالعقيدة التي تنسب إلى الإمام الأشعري، فمنهم كافة المالكية ومعظم الشافعية والحنفية وكثير من الحنابلة. ومن لم يكن من هؤلاء من أتباع الإمام الأشعري، فهم من أتباع أبي منصور الماتريدي. كقسم من الحنفية وبعض الشافعية.

أقول: والخلاف بين الإمام الأشعري والإمام الماتريدي محصور في مسائل جزئية اجتهادية. وقد عني كثير من العلماء بجمع نثارها، فحصرها بعضهم في عشر مسائل، وجمعها ابن السبكي في ثلاث عشرة مسألة وقال: (منها معنوي ست مسائل، والباقي لفظي، وتلك الست المعنوية لا تقتضي مخالفتهم لنا ولا مخالفتنا لهم تكفيراً ولا تبديعاً، صرّح بذلك أبو منصور البغدادي وغيره من أئمتنا وأئمتهم)([10])

وأقول: لولا حاجز المسافة المكانية الشاسعة بين الإمامين، لأحالت المذاكرة والمناقشة بينهما الخلاف في هذه المسائل البسيطة إلى وفاق.
* * *
المسألة الثانية: ما المنهج الذي ألزم الإمام الأشعري نفسه به وسار عليه؟

بوسعنا أن نستخلص المنهج الذي ألزم الإمام الأشعري به نفسه، مما دوّنه في كتبه التي وصلت إلينا مثل مقالات الإسلاميين والإبانة ورسالة إلى أهل الثغر وغيرها. ونلخصه فيما يلي:
أولاً: إنه يرى أن دور العقل أمام مصدري القرآن والسنة، يتمثل في الكشف عن أنه كلام الله وأن محمداً عبده ورسوله ثم يتمثل في إدراك مضامينهما وتجلية الغوامض منهما، وإزاحة غواشي اللبس عنهما، كما يتمثل في دعم كل ما قرره بيان الله أو سنة رسوله، بالبراهين العقلية. فالعقل إذن عند الأشعري خادم لنص القرآن وصحيح السنة، وما ينبغي أن يكون حاكماً عليه. بل إنه يرى أن تسليط العقل على القرآن أو السنة بالحكم عليه لصالحه، أي لصالح العقل، يفقد العقل وظيفته عن طريق تحميله لما ليس من شأنه أن يحمله. إذ إن نصوص القرآن والسنة لا تتضمن من المعاني إلا ما يتفق مع موازين العقل، سواء ظهر لنا ذلك أم لم يظهر، والقول بخلاف ذلك ولوغ في الكفر الصريح. إذن فتسليط الاجتهادات العقلية على أيّ من نصوصهما بحكم التغيير والتأويل المجانفين لقواعد اللغة والدلالات، ليس في الحقيقة إلا إقصاء للعقل عن وظيفته، وإن أوهم في الظاهر أنه خضوع لسلطانه.

ولقد عبّر الأشعري عن مبدئه هذا بقوله في أكثر من موضع في كتابه (مقالات الإسلاميين): (ولا نقدم بين يدي الله في القول) أي لا نتجاوز كلام الله إلى ما قد يخالفه من أحكام عقولنا. لا لأننا نغلب سلطان النقل على العقل، بل لأننا نتهم أنفسنا بالتنكب عن معرفة قرار العقل، في كل ما نخالف به قرار النقل الذي هو نص القرآن وصحيح السنة([11]).

ثانياً: لم يكن يتبسط في ممارسة علم الكلام، على النحو الذي نراه في صنيع كثير ممن جاؤوا من بعده، وإنما كان يعود إلى مسائله كلما اضطره الأمر إلى الرد على المتشدقين والمتجمّلين بها، من المعتزلة والحشوية والقدرية وأضرابهم. ولقد كانت له قدم راسخة في العلوم والمسائل الفلسفية التي ولع بها المبتدعة من أولي الفرق الجانحة، فكان ردّه عليهم بأدلتهم من الواجبات الداخلة في القاعدة القائلة (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)، روى ابن السبكي أن الأشعري كان لا يتكلم في علم الكلام إلا حيث يجب عليه نصراً للدين ودفعاً للمبطلين([12]).

ثالثاً: يرى ضرورة الاستدلال بالحديث الصحيح، متواتراً كان أو آحاداً، والأخذ بما كان يراه أصحاب رسول اللهصلى الله عليه وسلم، يقول في كتابه الإبانة (ونسلم الروايات الصحيحة عن رسول الله، التي رواها الثقات عدل عن عدل حتى تنتهي الرواية إلى رسول الله ،صلى الله عليه وسلم ولكن الكفر لا يكون إلا بإنكار ما هو متواتر ومعلوم من الدين بالضرورة([13]). ويرى أنه لا ينسخ القرآنَ إلا القرآنُ ولا ينسخ السنة إلا سنة مثلها. فإن وجدت سنة نسخت قرآناً فلا بدّ أن تجدَ مع السنة قرآناً يؤيدها. وإن وجدت قرآناً نسخ سنة فلا بدّ أن تجد مع القرآن سنة تؤيده. وهو يذهب في ذلك إلى مثل ما ذهب إليه الشافعي([14]).

رابعاً: يرى الإمام الأشعري أن أسماء الله تعالى وصفاته يُعتمد فيها على النقل من الشرع (أي النص) ولا يجوز الإتباع فيها لأقيسة اللغة. يقول: (إن طريقي في مأخذ أسماء الله الإذن الشرعي دون القياس اللغوي فأطلقتحكيماً لأن الشرع أطلقه، ومنعت عاقلاً لأن الشرع منعه. ولو أطلقه الشرع لأطلقته)([15]).

خامساً: يقرر الإمام الأشعري أن كل ما هو داخل في المتشابه من آيات الصفات والأفعال، يجب فهمه على ظاهره وتفسيره بمعناه الحقيقي دون كيف، ولا يجوز إخراج شيء منه إلى المجاز، إلا عند وجود حجة تدعو إلى ذلك. يقول جواباً عمن سأله: ما أنكرتم أن يكون قوله تعالى: (مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا) وقوله: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) على المجاز!.. يقول: (حكم كلام الله أن يكون على ظاهره وحقيقته، ولا يخرج الشيء عن ظاهره إلى المجاز إلاّلحجة.

ألا ترون أنه إذا كان ظاهر الكلام العموم، فإذا ورد بلفظ العموم والمراد به الخصوص، فليس هو على حقيقة الظاهر، وليس يجوز أن يعدل بما ظاهره العموم عن العموم بغير حجة. كذلك قول الله عز وجل: (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) على ظاهره وحقيقته من إثبات اليدين. ولا يجوز أن يُعدل به عن ظاهر اليدين إلى ما ادعاه خصومنا إلا بحجة. ولو جاز ذلك، لجاز لمدع أن يدعي ما ظاهره العموم فهو على الخصوص وما ظاهره الخصوص فهو على العموم بغير حجة. وإذا لم يجز هذا لمدعيه بغير برهان، لم يجز لكم ما ادّعيتموه)([16])


من تطبيقات هذا المنهج:
نذكر من ذلك نماذج، إذ لن يتاح لنا تجاوزها واستقصاء بنيان العقيدة الإسلامية المرتكز على هذا المنهج، في هذه الورقة التي التزمت فيها الاختصار والتلخيص.

* فمن تطبيقات هذا المنهج، ما قرره الإمام الأشعري متّبعاً في ذلك جمهور المسلمين، أهل السنة والجماعة من (أن الله سبحانه يُرى بالأبصار يوم القيامة، كما يُرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون ولا يراه الكافرون)

وقرار الأشعري هذا مستند إلى حكم العقل القاضي بأن محمداً رسول الله وأنه صادق فيما قال عن نفسه من أنه يوحى إليه من قبل الله بشرع وأنباء، والأدلة العقلية على ذلك مبسوطة في أماكنها. ثم أصغينا إلى هذا الذي يقوله وحياً من عند الله، فإذا فيه قوله عز وجل: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)[القيامة: 22-23] وإذا فيه قوله عن الكافرين عقاباً لهم: (كلا َلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ)[المطففين: 15] فكان من قرار العقل تصديق هذا الذي جاء وحياً من عند الله.

ثم إن منهجه القاضي بتفسير الألفاظ الواردة في القرآن والسنة بظاهرها الحقيقي، وعدم الشرود بها إلى المعاني المجازية ما أمكن ذلك، أوجب تفسير كلمة (ناظرة) بمعناها الحقيقي لا صرفها إلى المجاز عن طريق تأويلها بمنتظرة، وأوجب تفسير كلمة (محجوبون) بأنهم محجوبون عن رؤية الله عز وجل خلافاً للمؤمنين الصالحين الذين لن يحجبوا عن التمتع برؤيته.

إذن فمخالفة الإمام الأشعري للمعتزلة في هذه المسألة، إنما هي استجابة منه لقرار العقل وحكمه وإن بدا في وهم المعتزلة وذيولهم أنه تجاهل للعقل رعايةً لما يقضي به النص.

إن العقل، بعد أن قرر أن القرآن كلام الله الموحى به إلى رسوله، لا بدّ أن يجزم بصحة ما ينطق به كلامه، إذ مما لا ريب فيه أن الله قادر على أن يمتّع عباده برؤيته بأبصارهم، وها هو قد وعد بذلك. وإخراج الكلام بعد ذلك عن حقيقته الدالة على هذه الرؤية إلى المجاز الذي ينفيها، مشاكسة لكل من العقل والنص معاً.
والخلاصة أن الإمام الأشعري يبدأ رحلته العلمية مع العقل، ثم إن العقل يسلمه إلى النص الذي أيقن أنه كلام الله أو كلام رسوله، ثم إنه يستعين بالعقل للوقوف على مضامينه ومعانيه، متخذاً من قواعد الدلالات العربية مفتاحاً لبلوغ ذلك. وهذا هو الأمر الموجه من الله إلى عباده: أن يتعاملوا مع العقل في كل ما يُدْعَوْن إليه. وصدق الله القائل: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً)[الإسراء: 36]

* ومن نماذج هذه التطبيقات التزامه الدقيق بما قرره في منهجه الذي لخصناه، من أخذه بمصطلحات القرآن وعدم تجاوزه لها. ألم يقل: (ولا نقدم بين يدي الله في القول) وقد علمنا أنه ألزم نفسه بذلك مخافة أن يوقعه التجاوز في الزغل، فيتنكب بذلك عن قرار العقل ذاته، إذ إن نص البيان الإلهي هو المصباح الهادي إلى قرار العقل عندما يكون صافياً عن الشوائب.

فمن ذلك إتباعه للنص القرآني القاضي بالفرق بين رضا الله وإرادته. فقد قال عز وجل (وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ)[الزمر: 7]، فدل على أن الكفر ليس من مرضيات الله عز وجل. وقال (وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ)[المائدة: 41]، فدل على أن قذارة قلوب الكافرين بكفرهم من مرادات الله عز وجل .. فإرادة الله عز وجل إذن أعم من رضاه .. وأي مخالفة لهذا الذي دلّ عليه بيان الله، تقدُّمٌ بين يدي الله، وعليه، في القول وسبْقٌ عليه في القرار والحكم([17]).

ومن ذلك الوقوف عند قرار الله القائل بتخليد الكافرين في العذاب، وتخليد المؤمنين في النعيم، وعدم تجاوز ما دلّ عليه قرار البيان الإلهي هذا، بأي تأويل أو تفسير مخالف أو إضافة .. فأنكر على القائلين بفناء النار، وأنكر على القائلين بنحو ذلك. إذ إن ذلك منهم تقييد للمطلق في كلام الله دون وجود مقيد، أو تخصيص لعموم الأزمنة دون وجود مخصص .. ومن استند في ذلك إلى العقل، فقد قضى بأن العقل هو الحاكم على كلام الله، يغيّر فيه ويبدل منه. وهيهات أن يكون للعقل سلطان على البيان الإلهي الصريح في بيانه والقاطع في دلالته. ولقد أثنى الله على ملائكته بأنهم لا يسبقونه بالقول، فدلّ ذلك على بغضه عز وجل لمن يسبقونه بالقول، أي لمن يخبرون عنه بما لم يقله، أو بخلاف ما قاله([18]).

ومن ذلك وقوفه عند المصطلح القرآني (الكسب) وإيثاره لاستعمال هذه الكلمة على استعمال مصطلح الاختيار أو القصد والعزم الذي جنح إليه الآخرون.

إنه ألزم نفسه بهذا المصطلح، لأنه المصطلح الوارد متكرراً في القرآن تعبيراً عن مصدر استحقاق الإنسان للجزاء في أفعاله، وهو القصد والعزم. إذن فكلمة (الكسب) في القرآن لا تعني الفعل، كما قد توهم البعض، والدليل على ذلك قوله عز وجل: (وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ)[البقرة: 225]، فقد نسب الكسب إلى القلوب، وإنما تقف وظيفة القلوب عند حدّ القصد والعزم .. وقد استقام بهذا الالتزام من الإمام الأشعري الدليل القاطع الذي واجه به المعتزلة على أن الجزاء يوم القيامة ليس على الأفعال التي هي من خلق الله وبقدرته، وإنما هو على الكسب الذي هو عزم الإنسان وقصده، والذي ورد في أكثر من عشر آيات في القرآن.


هل القول بالكسب نظرية؟ وهل الإمام الأشعري مخترع لها؟

في الكتّاب المحدَثين من جعل الإمام الأشعري صاحب نظرية اخترعها ونادى بها، ألا وهي ما سماه بنظرية الكسب!!.. وكأن القرآن غير مليء بالآيات التي تردد كلمة (الكسب) وتعلن عن تحمل الإنسان لنتائج كسبه. من هؤلاء الأستاذ صالح الزركان الذي قرّر تبعاً لأستاذه الدكتور محمود قاسم نسبة هذه (النظرية) إلى الأشعري قائلاً: (ومن أجل ما بين مذهبي الجبرية والمعتزلة من التعارض، وما فيهما من العيوب، حاول أبو الحسن الأشعري أن يجمع بينهما وأن يتخلص في الوقت نفسه من الجبر المطلق والحرية المطلقة، فأتى بنظرية الكسب)([19])

والعجيب أنه عاد فقال: (ولكن يبدو لي أن النظرية أقدم منه، إذ وجدت أبا جعفر الطحاوي (228-321هـ) يقول في رسالته المسمّاة الاعتقاد في أصول الدينSad(وأفعال العباد بخلق الله وكسب من العباد))، والأعجب من هذا أن الأستاذ الزركان عثر على الكسب وكونه مناط الأجر في أفعال الإنسان، لدى الطحاوي الذي هو أسبق من الإمام الأشعري، ولم يعثر على ذلك في كتاب الله القائل: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ)[المدثر:38]، والقائل: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ)[البقرة: 286]، والقائل: (وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ)[البقرة: 225]

ولو أن كلاً من الزركان وأستاذه رحمهما الله وقف على هذه الآيات وأمثالها متأملاً فيما تعنيه كلمة الكسب، بعد وقوفه على الآيات الكثيرة التي تنص على أن الله هو خالق كل شيء بما فيه الإنسان وفعله، إذن لما سمّى هذه الحقيقة القرآنية نظرية، ولما ردد اختراعها - على حدّ تعبيره، بين أبي الحسن الأشعري وأبي جعفر الطحاوي.

* ومن هذه النماذج، التطبيقات الكثيرة لما ألزم نفسه به من تفسير آيات الصفات بمعانيها الحقيقة دون كيف، إلا عند وجود الحجة الصارفة للحقيقة إلى المجاز. إن هذا يعني أن المجاز ليس مبعداً ألبتّةَ عن آيات الصفات وسائر الآيات المتشابهة. وإنما الأمر تابع في ذلك لما يقرره الدليل. فإن غاب الدليل الملجئ إلى المجاز، فذلك يعني الرجوع إلى الأصل وهو الأخذ بالحقيقة دون القول بالكيف، وهو المصير الذي لا محيد عنه. وإن ظهر أمامنا الدليل الملجئ إلى المجاز، فذلك هو المصير الذي لا محيد عنه إذن, والحقيقة عندئذ هي الغائبة.

ينبني على هذا الكلام أن في آيات الصفات ما لا حجة فيه على التأويل، وفيها ما ثبتت فيه الحجة بالإجماع على ضرورة التأويل، وفيها ما كانت الحجة فيه محل اجتهاد ونظر..
فأما ما لا حجة فيه على التأويل، فيجب فهمه على ظاهره وحقيقته دون إلحاق أي كيف بذاته عز وجل، ذلك هو قرار الإمام الأشعري وهو مذهب السلف وأهل السنة والجماعة، وقد ضرب الأشعري لذلك أمثلة في كتابه الإبانة ومقالات الإسلاميين.

وأما ما ثبتت الحجة فيه بالإجماع على ضرورة التأويل، فمن أمثلته قوله عز وجل خطاباً لنبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا)[الطور:48] فقد تم الإجماع على أن كلمة الأعين لا تصلح لأن تكون ظرفاً للنبي صلى الله عليه وسلم لا من حيث الإمكان العقلي ولا من حيث الواقع الفعلي، إذن فلا بدّ من صرف (الأعين) إلى معنى الحماية والرعاية، ولا يتأتى الاختلاف في ذلك قط. ومن أمثلته الوجه في قوله تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ)[القصص: 88] فلا يتأتى تفسير الوجه بمعناه الحقيقي الذي هو جزء من الذات، ولكن وقع الخلاف في المجاز الذي يجب أن يؤول إليه.

وأما ما كان وجود الحجة فيه محل نظر وخلاف، فكثير، وقد ذكر الإمام البيهقي في كتابه (الأسماء والصفات) طائفة منها، وفي تفسير الإمام الطبري فيض منها، وقد أطال الإمام الخطابي في معالم السنن في بيان العوامل التي دعت إلى الخلاف في تأويل بعض المتشابه من الوارد في القرآن والصحيح من السنة.
وها أنا أذكر لك بعضاً مما اختلف السلف فيه: أيؤوّل أم لا.

فمن ذلك ما صح من تأويل الإمام أحمد لـ"جاء" في قوله تعالى: (وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً)[الفجر:22]،بمعنى وجاء أمر ربك مستدلاً على ذلك بقوله تعالى: (أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ)[النحل: 32]([20])

ومن ذلك ما رواه البيهقي عن حماد بن زيد، من تأويله لنزول الله إلى السماء الدنيا، الوارد في أحاديث النزول، بإقباله جل جلاله على عباده([21]).

ومن ذلك ما رواه ابن تيميه رحمه الله عن الضحاك من تأويله (الوجه) في قوله تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ)[القصص: 88] بذاته تعالى والجنة والنار والعرش([22]).

ومن ذلك قوله تعالى (وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ)[البقرة: 115]، فقد حكى المزني عن الإمام الشافعي أنه قال في هذه الآية: يعني والله أعلم فثم الوجه الذي وجّهكم الله إليه. وذهب مجاهد، فيما رواه البيهقي عنه، إلى أن المراد بالوجه في الآية قبلة الله، أي فأينما كنت في شرق أو غرب فلا تتوجه إلا إليها([23]).

أقول: لم أعثر على خلاف عند علماء السلف في تأويل الوجه في هذه الآية، فهم متفقون على إخراجها من الحقيقة إلى المجاز، ولكنهم اختلفوا في المجاز الذي ينبغي صرفها إليه، كما مرّ بيانه.

ومن ذلك قول رسول الله فيما أخرجه البخاري ومسلم (لقد ضحك الله الليلة من فعالكما) فقد أوّل البخاري الضحك بالرحمة([24]).

فهذه المواقف التابعة للحالات الثلاث، مندرجة في المنهج الذي ألزم به الإمام الأشعري نفسه، وهو تفسير المتشابه من آيات الصفات وأحاديثها، بالمعنى الحقيقي إلا عند وجود حجة تدعو إلى التأويل. وهي في مجموعها صورة أمينة ودقيقة للنهج الذي كان عليه سلف هذه الأمة، أهل السنة والجماعة.
* * *
المسألة الثالثة: النتائج التي أفرزها دفاع الإمام الأشعري عن العقيدة الإسلامية التي تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده نقية صافية ظاهرها كباطنها لا يتيه عنها إلا زائغ، والتي اجتمع على التمسك بها أهل السنة والجماعة، سواء منها ما ظهر في عصره أو برز من بعده.

نلخص هذه النتائج فيما يلي:

أولاً: كان جمهور أهل السنة والجماعة من علماء التفسير والحديث والفقه، منصرفين إلى علومهم، معرضين عن ضجيج الفرق الإسلامية الشاردة عن الحق، مبتعدين عن خصوماتهم، حتى غدت عقيدة أهل الكتاب والسنة مغمورة ومحجوبة في ضجيج تلك الفرق وصراعات ما بينها. فلما قيض الله من الإمام الأشعري نصيراً للحق الذي كان عليه سواد الأمة الإسلامية، وفي مقدمتهم المحدّثون والمفسرون والفقهاء، أحدق به أهل الحق واتخذوا منه نصيراً للحق الذي ورثوه من أصحاب رسول الله، بعد أن كانوا مبتعدين عن ساحات الخصومات العقائدية، وامتدت جسور التواصل بينه وبين فقهاء المذاهب، واشتدت آصرتهم به، وساروا على نهجه الذي كان هو نهجهم من قبله، ولكن دون رسم وبيان وإعلان([25]).

والمهم أن أياً من أهل الحق وأئمة الفقه والحديث، لم يقف منه موقف الناقد أو المخاصم بمن فيهم الحنابلة والحنفية على الرغم من أن كثيراً منهم كانوا أتباعاً للإمام أبي منصور الماتريدي، وسبب ذلك أن نقاط الخلاف بين الإمامين كانت قليلة، وكان الخلاف في معظمها لفظياً أو اجتهادياً([26]).

ثانياً: في الوقت الذي أحدق به أهل الحق أتباع الكتاب والسنة، مؤيدين ومتبعين، وقف منه المعتزلة الذين كان الإمام الأشعري منهم، ثم تحول عنهم وكشف عن عوارهم، موقف المخاصم، بل الحاقد المعادي. فأوسعوه افتئاتاً، واختلقوا عليه من الأباطيل ما هو منه بريء، وشوّهوا الحقائق التي كان يجليها ببياناته العلمية الدقيقة، وراحوا يتعمدون تنكيسها على لسانه.

من ذلك ما اختلقوه ونسبوه إليه، من أن الله لا يجازي المطيعين على إيمانهم وطاعاتهم، وأنه عز وجل لا يعذب الكفار والعصاة على كفرهم ومعاصيهم. وإنما استخرجوا هذه الأكذوبة عليه من قوله راداً عليهم: إن الله تعالى لا يجب عليه شيء إذ الخلق خلقه، والملك ملكه، والحكم حكمه، فله أن يتصرف في عباده بما يشاء([27]).

ومن ذلك أنهم نسبوا إليه نقيض ما اهتم به وخلاف الدور الذي قام به من قطع دابر الغنوصية وصرف أذهان المسلمين عنها والتحذير من الركون إليها والاستسلام لها. فقد ألصقوا به نقيض ذلك من تهمة التأثر بالغنوصية والدعوة إليها.

وسبب ما دعاهم إلى ذلك تحذيره في أكثر من مناسبة، من الاستدلال على الحق الذي جاء به الرسل والأنبياء، بغير القرآن والسنة، وتحذيره من الركون إلى الأدلة الفلسفية وما أصبح يسمى بعلم الكلام إلا بقدر الضرورة. ومن المعلوم أن التعامل بالفلسفة وعلم الكلام هي البضاعة الأولى للمعتزلة في نطاق الاستدلال. ونظراً إلى أن الإمام الأشعري استخف ببضاعتهم هذه وحذر منها، فقد كان لا بدّ لهم أن يتهموا الأشعري باللاعقلانية والاعتماد فيما يعتقد ويدعوا إليه على الكشف والإلهام والحدس، بعيداً عن موازين العلم والنظر. وذلك هو شأن الغنوصيين والسبيل إلى معتقداتهم([28]).

ثالثاً: ظهر بعد وفاة الإمام الأشعري بعض المتطرفين، وأكثرهم من الحنابلة، ساقهم الجهل وحملتهم العصبية على مخالفة أصول مذهبهم أولاً، فخرجوا من إجماع جمهرة المسلمين أهل السنة والجماعة، لاسيما في آيات الصفات، ثم إنهم ناصبوا أبا الحسن الأشعري العداء، واختلقوا أموراً نسبوها إليه لم يقل بها قط، واخترعوا على لسانه أقاويل ثبت في كتبه القول بنقيضها، وسمّوا أنفسهم ترويجاً لشبهاتهم وستراً لغلوهم وتطرفهم بأنصار السلف.

ومن أبرز ما يدل على تخبطهم ومخالفتهم للسلف، أن أبا الحسن الأشعري كان واحداً من عيون السلف، وأن أياً من أقطاب السلف ورجاله الذين كانوا في عصره لم يخالفه في شيء مما ذهب إليه، بل وجدوا فيه نصيراً للحق الذي كانوا متمسكين به، داعياً إلى الاهتداء بالكتاب والسنة ونبذ كل ما يخالفهما من البدع والفلسفات المستحدثة، ولم يكن في حنابلة ذلك العصر من يخالفه في الرأي فضلاً عن أن يناصبه العداء .. إذن فوقوف هؤلاء الذين جاؤوا من بعده موقف العداء منه، إنما هو في الحقيقة مخاصمة ومعاداة لكل أولئك الذين اتبعوه ووقفوا منه موقف الاغتباط والتأييد من أئمة الحديث والتفسير والمذاهب الفقهية ومنهم الحنابلة، وهل السلف الصالح إلا أولئك الرجال؟

وقد انبرى للرد عليهم والكشف عن جنوحهم عن نهج السلف وضوابط الكتاب والسنة، كثير من أئمة الدين وأنصار السنة، ولعل خير من كتب في الرد عليهم والدفاع عن الإمام الأشعري ابن عساكر رحمه الله وذلك في كتابه: (تبيين كذب المفتري فيما نُسب إلى الإمام الأشعري) ومن أفضل ما ظهر أخيراً في الموضوع ذاته كتاب: (براءة الأشعريين)، فهو كتاب علمي جليل أخرجه مؤلفه رحمه الله في مجلدين.

رابعاً: ذهب بعض الفضلاء إلى أن في الأشاعرة الذين جاؤوا بعد أبي الحسن الأشعري من خالفوه في نهجه، فأوّلوا كثيراً من آيات الصفات ولم يذهب هو إلى تأويلها، واعتمدوا في كثير من مسائل العقيدة على علم الكلام واسترسلوا في التعامل به دونما حاجة، وكان منهجه الوقوف عند دلائل القرآن والسنة، وعدم الاستعانة بالفلسفة وعلم الكلام إلا بالقدر الذي تدعو إليه الحاجة أو الضرورة.

أقول: لعل هذا الذي ذهب إليه بعض الكاتبين غير دقيق.
فإن علماء العقيدة من أهل السنة والجماعة (الأشاعرة) لم يخالفوا أبا الحسن الأشعري في شيء من منهجه الذي أخذ نفسه به، وإنما خالفوه في جزئيات اجتهادية لم تخرج في مجموعها عن منهجه. لقد كان من منهجه أن كل ما هو داخل في المتشابه من آيات الصفات والأفعال، يجب فهمه على ظاهره وتفسيره بمعناه الحقيقي دون كيف، ولا يجوز إخراج شيء منه إلى المجاز إلا عند وجود حجة تدعو إلى ذلك، وقد سبق بيانه. وهذا ما تمسك به العلماء الذين جاؤوا من بعده، من أمثال الباقلاني والرازي والغزالي .. ولكنهم اختلفوا عنه في تطبيق بعض الجزئيات على منهجه هذا، فربما لم ير فيها حجة تدعو إلى التأويل، في حين أن في العلماء الذين جاؤوا من بعده سائرين على نهجه، من رأى أن فيها حجة تدعو إلى التأويل. ولا شك أن الاجتهاد بلعب دوراً كبيراً في رؤية الحجة أو عدمها.

ومن المستبعد أن يحصر الإمام الأشعري حق الاجتهاد في البحث عن الحجة وفهمها، في شخصه هو دون غيره.
على أن اختلاف الزمن والظروف الثقافية والحضارية، يعدّ دليلاً من الأدلة الاجتهادية لمعرفة وجود أو عدم وجود الحجة الداعية إلى التأويل، إلى جانب سائر الأدلة الأخرى. وإذا تم الالتزام بالمنهج، فإن الاتفاق الحرفي مع اجتهادات الإمام الأشعري في فهم آيات الصفات وغيرها، لا موجب له ولا ملزم به. فإن الأسباب والظروف والدلائل قد تختلف مابين مجتهد وآخر، فضلاً عن الاختلاف الذي يفرض نفسه ما بين عصر وآخر.

ولعلّ أول من لاحظ أثر اختلاف الزمان في إبراز الحجة الداعية إلى التأويل، الإمام الخطابي الذي يعدّ من أعيان علماء النصف الأول من القرن الرابع، فهو الواسطة بين عصري السلف والخلف. يقول رحمه الله في كتابه معالم السنن، عند شرحه للحديث الذي رواه الشيخان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث أنس بن مالك، أنه قال: (لا تزال جهنم تقول هل من مزيد، حتى يضع رب العزة فيها قدمه فتقول: قطِ قطِ، ويزوي بعضها إلى بعض. ولا يزال في الجنة فضل، حتى ينشئ الله خلقاً فيُسكِنَه فضول الجنة) يقول أبو سليمان الخطابي رحمه الله في شرحه لهذا الحديث:
(كان أبو عبيد، وهو أحد أئمة أهل العلم، يقول: نحن نروي هذه الأحاديث ولا نريغ لها المعاني)، قال أبو سليمان: (ونحن أحرى بأن لا نتقدم فيما تأخر عنه من هو أكثر علماً وأقدم زماناً وسناً. ولكن الزمان الذي نحن فيه قد صار أهله حزبين: منكر لما يُروى من هذه الأحاديث رأساً ومكذِّب به أصلاً، وفي ذلك تكذيب للعلماء الذين رووا هذه الأحاديث، وهم أئمة الدين ونَقَلَةُ السُنن والواسطة بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، والطائفة الأخرى مسلّمة للرواية فيها، ذاهبة في تحقيق الظاهر منها مذهباً يكاد يفضي بهم إلى القول بالتشبيه. ونحن نرغب عن الأمرين معاً، ولا نرضى بواحد منهما مذهباً، فيحق علينا أن نطلب لما يرد من هذه الأحاديث - إذا صحت، من طريق النقل والسند - تأويلاً يخرَّج على معاني أصول الدين ومذاهب العلماء، ولا تبطل الرواية فيها أصلاً، إذا كانت طرقها مرضية ونقلتها عدولاً).

ثم قال أبو سليمان: ( وذِكْرُ القدم ههنا يحتمل أن يكون المراد به من قدّمهم الله للنار من أهلها، فيقع بهم استيفاء عدد أهل النار. وكل شيء قدّمتَه فهو قدم، كما قيل لما هدّمته هدْمٌ ولما قبضته قبض. ومن هذا قوله عز وجل: (أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ)[يونس: 2] أي ما قدموه من الأعمال الصالحة) ([29])
أقول: وسواء أوَافق أبو الحسن الأشعريُّ الخطابيَّ على هذا التأويل لكلمة (القدم) أم لم يوافقه، فإن منهج أبي الحسن ينسحب على هذا الاجتهاد الذي أخذ به الخطابي، لما سبق أن أوضحت.

بل إني على يقين بأن أبا الحسن الأشعري وأقرانه من أئمة السلف، لو كان في قضاء الله أن يعيشوا في القرون التالية لهم، لوجدوا أمامهم من الأدلة الجديدة على ضرورة التأويل ما يحملهم على تأويل الكثير من المتشابه إن في القرآن أو صحيح السنة. ولو كان في قضاء الله أن يعيش أمثال الغزالي والرازي والباقلاني في العصور المتقدمة مع أئمة السلف، إذن لضاقت أمامهم المساحة التي تسمح بالتأويل ولتناقصت الأدلة الموجبة له، ولوقفوا في تفسير هذه الآيات والأحاديث عند ظاهر دلالالتها الحقيقية دون تكييف ولا تشبيه.

إذن فالجامع المشترك بين السلف والخلف من أهل السنة والجماعة هو الالتزام بالمنهج الذي ألزم به الإمام الأشعري نفسه وسار عليه في الدفاع عن بنيان العقيدة الإسلامية، ضد الفرق التي تكاثرت تكاثر الثآليل على الجسم السليم السوي، فالكل، بمن فيهم الإمام أبي منصور الماتريدي، كانوا سائرين على هذا المنهاج الجامع، ولم تكن خلافاتهم الاجتهادية إلا داخل مساحته وتحت سلطانه.

وأما القول بأن في أئمة أهل السنة والجماعة الذين كانوا في عصر الخلف من استرسل في الاعتماد على علم الكلام وربما تجاوز إلى تحكيم الرؤى والمسائل الفلسفية، في مجال البحث في العقائد، فالذي أراه هو أن الواقع يشهد بذلك. وقد كان الأولى تجنيب مسائل العقيدة الإسلامية مخاضة الفلسفة وأوهامها. وكان الأولى عدم الاستعانة بعلم الكلام إلا عندما تقتضيه الحاجة أو تلجئ إليه الضرورة.

على أن أكثر الذين دخلوا معترك علم الكلام، لم يدخلوه دخول المبتدئ الذي يرغب أن يعزز حقائق العقيدة الإسلامية، بالأفكار والقوانين الفلسفية، وإنما ردوا بها على المبطلين الذين اتخذوا من أوهام الفلاسفة أدلة لدعم باطلهم. وهذا ما فعله الغزالي والرازي وآخرون.

خامساً وأخيراً: كان من أبرز النتائج لهذا الذي وفّق الله له أبا الحسن الأشعري، من وقوفه الجهاديّ ضد المبتدعة وتياراتهم الفكرية التائهة عن هدي القرآن والسنة، وانتصاره للحق الذي ترك رسول الله أصحابه عليه، أن خمدت جذوة تلك الفرق ومنيت بالهزيمة الفكرية، وفي مقدمتها المعتزلة الذين أتيح لهم أن يهيمنوا على الفكر الإسلامي ردحاً من الزمن، فبادت تلك الفرق شيئاً فشيئاً بعد أن سادت. ولم يكن سبيل ذلك خنقاً للحريات ولا إسكاتاً للألسن ولا تجريماً للأفكار. وإنما كان سبيل ذلك الحوارَ العلميَ المتحررَ عن أسبقيات العصبيات المذهبية والأحقاد النفسية والمغانم الدنيوية. وشاء الله تعالى أن يكون أبو الحسن الأشعري هو رائد الحوار، وهو قائد الدعوة إلى تحكيم العلم، والرجوع إلى هدي القرآن والسنة، فكان في إقبال أئمة التفسير والحديث والفقه وأتباعهم عليه، وفي دعمهم له وسيرهم وراءه ما أعاد منهج أهل السنة والجماعة وتيارهم إلى البروز وفاعلية الحكم والتوجيه.
* * *
واليوم.. ليس بيننا وبين أن يعود هذا التيار .. تيار أهل السنة والجماعة الواحد والموحد، إلى البروز والفاعلية وجمع الكلمة، سوى أن تصمت العصبيات وينطق العلم صافياً عن الشوائب، وأن يتحكم الإخلاص لله عز وجل، ويغيب ميزان الأهواء والمصالح، فنسألك اللهم أن تحررنا من عصبيات أنفسنا، وأن تغرس نعمة الإخلاص لوجهك في قلوبنا، إنك ولينا وإليك يرجع الأمر كله والحمد لله رب العالمين.


(1) مقالات الإسلاميين: ص297، طبعة جمعية المستشرقين الألمانية.

(1) المرجع السابق: ص211.

(2) المرجع ذاته: ص217.

(3) في الناس من يبعث الريب في نسبة كتاب (الإبانة) أو بعض ما فيه إلى الأشعري. وجلّ ذلك موجود في كتابه مقالات الإسلاميين. وليس في الناس من يرتاب في نسبته إلى الأشعري.

(4) تبيين كذب المفتري: ص112و113.

(5) طبقات الشافعية: 3/365.

(1) وفيات الأعيان: 2/362.

(2) شذرات الذهب: 2/303.

(1) هو محمد بن محمد بن محمود أبو منصور الماتريدي، نسبة إلى ماتريد ضاحية من سمرقند من بلاد ما وراء النهر. توفي عام: 268هـ.

(1) طبقات الشافعية: 3/378.

(1) انظر مقالات الإسلاميين. ص:211.

(2) انظر: رسالة إلى أهل الثغر: ص124 وما بعدها، مقدمة ابن خلدون: ص226، طبعة بولاق، طبقات الشافعية لابن السبكي: 3/350.

(3) مقالات الإسلاميين: ص290، الإبانة: ص8-9، رسالة إلى أهل الثغر: ص83.

(1) مقالات الإسلاميين: ص479.

(2) من مناظرة بين الإمام الأشعري وأبي علي الجبائي. انظر طبقات الشافعية: 3/357.

(3) انظر طبقات الشافعية: 3/359.

(1) انظر طبقات الشافعية: 3/358، مقالات الإسلاميين: ص294 وص418 وما بعدها، ورسالة إلى أهل الثغر: ص169. طبعة دمشق.

(2) انظر طبقات الشافعية: 3/358، مقالات الإسلاميين: ص148-149.

(1) فخر الدين الرازي وآراءه الكلامية والفلسفية: ص524، وانظر: الإنسان مسير أم مخير: ص66 لكاتب هذا البحث.

(1) الأسماء والصفات للبيهقي: ص292.

(2) المرجع السابق: ص456.

(3) مجموعة فتاوى ابن تيمية: 2/428.

(4) الأسماء والصفات: ص309.

(5) انظر: فتح الباري: 7/82، والأسماء والصفات: ص470.

(1) انظر: مقدمة الشيخ زاهد الكوثري لكتاب تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام الأشعري: ص9-17، وكتاب المذاهب الإسلامية للشيخ أبو زهرة: ص265، وشذرات الذهب لابن العماد: 2/303.

(2) جمع ابن السبكي هذه المسائل الخلافية بينهما في ثلاث عشرة مسألة، وللشيخ زاده رسالة أسماها: (نظم الفرائد وجمع الفوائد في بيان المسائل التي وقع فيها الاختلاف بين الماتريدية والأشعرية في العقائد)، وقد ذكرت أهمها في كتابي: (المذاهب التوحيدية والفلسفات المعاصرة)، ولولا بعد المكان الذي فرق بين الإمامين، لانتهيا من هذه المسائل إلى وفاق.

(1) انظر: طبقات الشافعية لابن السبكي: 3/414.

(2) نشأة الفكر الإسلامي للدكتور علي سامي شنار: 1/171، ورسالة إلى أهل الثغر: ص120 وما بعدها.

(1) معالم السنن بشرح سنن أبي داود: 5/95، طبعة حمص.




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://naksh.own0.com
 
مذهب الإمام أبوالحسن الأشعرى رضى الله عنه
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مملكة النقشبندى والحقيقة المحمدية العرفانية والعلوم الصوفية والحقائق الروحانية :: مملكة علوم الصوفية-
انتقل الى: